بسم
الله الرحمن الرحيم
$$$$$ القصص الهادف $$$$$
خشب جرير
بقلم / أحمد عبد اللطيف النجار
أديب ومفكر مصري
( ليست مجرد قصة )
نحن لا نسعد بالمكان ولا بالمنقولات وإنما بالبشر الذين يعيشون فيه ويتعايشون معنا وبالحب الحقيقي الذي يستمتع فيه القلب والعقل والروح بكل ما حوله ، حينها تصبح المعيشة في الأكواخ البسيطة أجمل وأروع من القصور الفارهة والأثاث الفاخر ويصبح خشب جرير أجمل وأفضل من تنقيح الفرزدق !
فقد كان الشاعر العربي الكبير الفرزدق ينّقح الشعر أي يراجعه ويبدّل فيه وكان منافسه الشاعر الفحل جرير يخشّب أي يرسل الشعر هكذا على سجيته بلا مراجعة ولا تنقيح ومع ذلك فلقد كان النقاد يفضلون خشب جرير الأكثر موهبة على تنقيح الفرزدق المتكلف !
سهام سيدة في الخامسة والثلاثين من عمرها ، كان الخطاب يتهافتون عليها لجمالها اللافت للنظر منذ سنوات دراستها الجامعية ، لكن كان أبيها وأمها يصران على رفض أي عريس قبل أن تتم تعليمها الجامعي .
في عامها الدراسي الأخير تقدم لها شاب وسيم مركزه الاجتماعي مرموق ومن أسرة طيبة ، لكن طلبه قوبل بالرفض من أهلها في البداية لأنه في بداية الطريق ولا يملك شقة ،لكنها استطاعت إقناعهما بعد محاولات شاقة فقبلاه على مضض .
تخرجت سهام من كليتها بتقدير عالِ وعملت بإحدى الشركات الخاصة براتب كبير وتم إعلان خطبتها وكانت في منتهى السعادة ، لكن المشاكل بدأت على الفور بين خطيبها وبين أبيها وأمها وتغيرت النفوس بسبب تراكم المشاكل حتى دبت الخلافات بينها وبين خطيبها وانتهت بفسخ الخطبة وأعادت إليه
شبكته وهداياه ، ولم تندم على تلك التجربة الفاشلة .
بعد ذلك تقدم لها آخرين لكنها رفضت المبدأ من أساسه ومضى على ذلك سنوات حتى بلغت الفتاة السادسة والعشرين من عمرها وقلق أبويها عليها كثيراً وكأنها قد بلغت الأربعين خريفاًَ وأصبح لا هم لهم إلا زواجها وبأسرع وقت .
في تلك الفترة كانت سهام تعمل في الشركة من التاسعة صباحاً وحتى الخامسة مساءاً وتتخلل ساعات العمل راحة بين الواحدة والثانية ظهراً يقضونها في الغداء والحديث مع الزملاء والزميلات ، كان من بينهم زميلها سعد الذي ارتاحت إليه وارتاح إليها وروى كل منهم ظروفه للآخر ، ثم فاتحها برغبته في الزواج منها ، ووجدت سهام نفسها في لحظة واحدة تتخلص من كل تردد وتقبله على الفور ، بل ووجدت نفسها تحبه حباً جنوني وتراه الرجل الذي تتمناه ، فهو شاب طيب وسيم ، مكافح وأخلاقه ممتازة واعتاد تحمل المسئولية منذ صغره لأن أبويه مكافحان وله إخوة في مراكز طيبة ولديه شقة بالإيجار واسعة مناسبة ،سعدت به سهام وبكل ظروفه وحملت سعادتها لوالديها وفاتحتهما في أمره ، ففوجئت بهما يرفضان لأنه غير ميسور مالياً ولا يملك شقة تمليك وليس عنده سيارة ولأن شقته بعيدة عن مسكنهم وغير ذلك من المبررات غير المنطقية ، سمعت سهام تلك الأسباب ذاهلة ومتعجبة من أنهما لا يفهمان أن أقصى ما تريده أي فتاة هو أن تعيش مع رجلها الذي اختاره قلبها والذي يغمرها بحبه وحنانه وحمايته في أي مكان سواء كان شقة تمليك أو إيجار ، المهم هو أن يعيشا معاً ويكبرا معاً ويحافظا على ما بنياه معاً لأن ما يأتي سهلاً يضيع أيضاً سهلاً !!
حاولت الفتاة إقناع والديها دون جدوى وخلال المشاورات تقدم لها شاب يعمل في قطر وعنده كل المؤهلات التي يراها أبواها رائعة من شقة تمليك إلى سيارة حديثة إلى أملاك خاصة ، بالإضافة لراتبه المغري ، ذلك هو حسن الذي عرضاه على سهام ورفضته بغير تردد وأعلنت تمسكها بزميلها سعد الذي تحبه ، لكنهما لم ييأسا منها ودخلا عليها من المدخل الديني لعلمهما بتدينها وخوفها من الله ، راحا يلحان عليها لقبول حسن إرضاءً لهما لأن رضا الأبوين من رضا الله ، أما الحب فسوف يأتي على مهل بعد الزواج ، وازداد تركيزهما على الناحية الدينية وعاشت أيام طويلة في منتهى الحيرة والقلق حتى أنها عرضت على زميلها سعد أن يتزوجا سراً . لكنه رفض بكل شهامة ورجولة قائلاً أن
رجولته وإسلامه يمنعانه من الزواج منها دون موافقة أهلها علناً أمام الله والناس ، ساعتها كبر سعد كثيراً في نظر سهام وإن كانت تتمني من أعماقها لو كان قد وافق حتى يرحمها من حيرتها وعذابها !
مرت الأيام وازدادت ضغوط الأسرة عليها حتى بدأت تستسلم وودعت حبيبها سعد في نفس المكان الذي كانوا يلتقون فيه ، ودعته بدموعها وودعها هو بكلمات دامعة . قال لها أنه يتنازل عنها مرغماً وعلى غير إرادته وأن لن يتزوج بعدها مهما طال به العمر ، افترق الحبيبين وعادت سهام لبيتها حزينة ومشاعرها تجاه أبويها متضاربة وعادت لعملها بعد فترة ففوجئت بأن زميلها سعد قد استقال منه كي يتفرغ لمشروعه التجاري ، وأنه ودع زملاؤه وتمنى لهم جميعاً حياة سعيدة .
ازدادت سهام اكتئاباً وفجأة ظهر في حياتها العريس الجديد اللقطة على حد قول أبويها وتمت خطبتها إلى حسن الذي وجدته شاباً مهذباً كريماً للغاية يحبها وتحبها أسرته ، وبعد ثمانية شهور تم عقد القران وبالغ حسن في كرمه فكتب لها في عقد الزواج مبلغ خمسة وعشرين ألف جنيه كمؤخر صداق وتم الزفاف في أكبر فنادق العاصمة
انتهي حفل الزفاف وبدأ العروسين شهر العسل واختارت سهام أن تكمل إيمانها بارتداء الحجاب ، وبعد أيام سافرت مع زوجها إلى قطر وهناك استصدر لها حسن رخصة قيادة كي تقود سيارته الفاخرة في أي وقت وأغدق عليها بالهدايا ، فمضت أيامهما هانئة سعيدة ، ثم فجأة وبدون مقدمات وبعد أربعة شهور فقط انقلب حسن إلى شخص آخر لا علاقة له بالخطيب الذي جاء يطرق بابها ويبالغ في رعايتها وحبها كأنما قد استبدله الله بشخص آخر يحمل نفس الاسم والملامح !
بدأ حسن انقلابه بأن سحب من زوجته رخصة القيادة ثم حرمها من الخروج معه وبدأ يسب ويلعن والدها وأمها وكل أهلها لأي سبب تافه ، حتى جاء يوم عاد ت فيه سهام من عملها فجهزت الطعام لزوجها وتركته على السفرة ثم غلبها النوم ، فإذا بها تستيقظ على وقع ضربات مؤلمة تنهال عليها ، فانتبهت مفزوعة ، فإذا بزوجها المحترم يضربها بحذاء العمل ذو الكعب العالي الثقيل، كل ذلك لأنها نائمة والأكل بارد !
ساعتها لم تزد سهام عن أن رددت بلا وعي وانفعال شديد حسبي الله ونعم الوكيل ، وتكررت اعتداءات حسن عليها بالضرب وكانت تدافع عن نفسها بكل
قوة لكنه كان يغلبها في النهاية فلا تملك إلا أن تذكره بما أمره الله به من حسن معاملة الزوجة فلا يرتدع وانقلبت حياتها معه إلي جحيم في الغربة !
كانت سهام تكتب لأسرتها بما يجري فيشكون لأهله فلا يصدقون أي شيء على ابنهم ، وعادت سهام إلى مصر ضائعة مكتئبة محطمة بعد أن كانت عروساً شابة جميلة ، ورغم كل شيء صبرت على زوجها لعل وعسي تتغير طباعه ويهدأ ، وبالفعل تحسنت معاملته لها قليلاً ، ثم تكرر نفس سلوكه الشاذ معها وغادرت سهام شقة الزوجية إلي بيت أهل زوجها القريب منهم وأشهدتهم على ما يفعله بها ابنهم ، ثم ذهبت إلى بيت أسرتها تحتمي بهم طالبة حل لعذابها المستمر مع زوجها ، ولم تمض فترة قصيرة حتى جاء حسن ودخل الشقة ولم يسلم على أحد وجذب سهام من شعرها يريد أن يعيدها معه هكذا أما أسرتها وكأنها امرأة من العصر الحجري وليست فتاة متعلمة بنت ناس !
ساعتها لم يتمالك أخو سهام نفسه وهجم على حسن يلكمه ويخلص شعر أخته من يده ، فانفجر حسن بالتهديد والوعيد وطرده حماه من البيت وانتهت المأساة بإصرار سهام على طلب الطلاق منه ، فطالبها زوجها الغادر برد الشبكة والذهب والتنازل عن مؤخر الصداق ونفقة المتعة وكل شيء ، ففاجأته سهام بقبول كل شروطه وتنازلت له عن كل شيء تركت له الشقة الفاخرة بما فيها من ذهب ومجوهرات ماسية وتحف وتم الطلاق
كان يوم تسلمها ورقة طلاقها يوماً مشهوداً ومن أسعد أيام حياتها ، وفوجئت سهام ببشرتها المصفرة الذابلة تنتعش وتسترد نضارتها القديمة في نفس اليوم وكأنما مستها عصا سحرية !
عادت سهام إلى عملها القديم في نفس الشركة واحتفل بها جمع الزملاء والرؤساء ، وبعد أيام من العودة لعملها قرر زملائها دعوتها للغداء في نفس الفندق الذي شهد لقاءاتها القديمة ووداعها الأخير لحبيبها سعد ، ذهبت سهام للفندق وما أن دخلته حتى استعادت كل ذكريات المكان وطلت طوال الغداء تتخيل صورة سعد ، وفجأة أثناء تناول الطعام سمعت إحدى زميلاتها تتساءل أليس هذا هو فلان ؟ فرفعت سهام رأسها فإذا بها تجد سعد واقفاً قريباً منها ، فانتفضت واقفة وهرولت إليه وأسرع هو إليها حتى تصافحوا ضاحكين واقترب معها لمائدة الطعام وهو يقول : مبروك الزواج يا مدام سهام !
فقالت له دون وعي : بارك لي على الطلاق !
مرت الأيام سريعاً وإذا بها تكتشف أن سعد لم يتزوج بالفعل كما وعدها ساعة
الوداع منذ ثلاث سنوات ، وكانت تظن وقتها أن وعده نوع من المجاملة والرومانسية الرقيقة منه ، وإذا به مازال يحبها ولم يزل يريدها ، وتقدم سعد لخطبة سهام فلم يستطع أبويها الاعتراض هذه المرة ، لقد تمسكت الابنة المظلومة ضحية الطمع بحبيبها سعد وأصرت على الزواج منه في شقته البعيدة التي لم تعجب أهلها في السابق ، تزوج الحبيبين بحمد الله ولأول مرة تعرف سهام فرحة الزفاف الحقيقية ودموع الفرح الصادقة .
انتقل الزوجين إلى عشهما البعيد وعرفت سهام معنى الحياة الزوجية الصحيحة كما أرادها الله سبحانه وتعالى سكناً ومودة ورحمة ، وفي كل مرة كان يزورها أهلها يجدونها سعيدة تزقزق كالعصافير ويجدون بيتها الراحة والإنسان الطيب الكريم الذي يحبهم ويحسن استقبالهم ، ولم يمض على زواجها فترة قصيرة حتى حملت وكان فضل الله عليها عظيماً ولطفه أعظم ، فقد أكرمها بألا تحمل من زوجها الأول حتى لا يزيد عذابها ، ورزقهم المولى طفلهم الحبيب محمد وبعد عامين أنجبت طفلتها الرائعة كوثر .
وترجو سهام كل الآباء والأمهات أن يتركوا لبناتهم وأولادهم حرية الاختيار ما داموا قد وصلوا إلى سن النضوج التي تسمح بحسن الاختيار وتقرير المصير ، وتناشدهم ألا يجبروهم على الزواج بمن لا يرضونه ولا يحبونه لكيلا يندموا كما ندمت ، وحتى لا يدفعوا الثمن الباهظ الذي دفعته من عمرهم وراحتهم النفسية ، أما نظرية أن الحب يأتي بعد الزواج والعِشرة ، فتلك نظرية فاشلة وكذب وافتراء لواقع مُر يكذب ولا يتجمل !!
تلك منحة المحنة التي تعلمنا إياها سهام ، إنها تعلمنا نظم القصيد فنؤدي للبشر بأنغام الشعر ما تلقيناه من ضربات الألم والشقاء ، ها هي تعطينا درس آخر في السعادة والرضا بالمقسوم والواقع ، ليس هروباً منه كما يفعل الضعفاء من الناس ، ها هي أنسجتها التي كانت مسدودة قد تفتحت مع من أحبت فأنجبت منه براعم وزهور بريئة واستشعرت السعادة في السكن البعيد الذي لا يُقارن بالشقة الفاخرة التي كانت تعيش فيها وكأنها في سجن كبير ، فنحن لا نسعد بالمكان وإنما بالبشر الذين يعيشون فيه ، وفي نبع الحب الصافي الذي يحيا فيه القلب حياة طيبة هادئة .
لقد ظلمت سهام نفسها كثيراً بزواجها الأول لأنها مهما بالغت في إظهار مشاعرها لزوجها فإنه سوف يستشعر بعد قليل فتورها وجفاف مشاعرها فتضطرب العلاقة الزوجية ولا تستقيم ، وهذا هو سر الانقلاب المفاجئ الذي
أدهشها في زوجها الأول حسن بعد سنة واحدة من زواجهما ، هو في الواقع لم ينقلب عليها وإنما صُدم بفتور مشاعرها ولم يتصرف كالفرسان النبلاء ويعرض عليها الانفصال في هدوء وإنما تسلطت عليه نزعنه الشيطانية فتعمد أذيتها بوحشية لا تليق به كرجل !
ليس هكذا يفعل الرجال وليست تلك هي رجولة الرجل الشرقي الأصيل ، وذلك بالتحديد هو الفارق الشاسع بين خشب جرير وتنقيح الفرزدق !
$$$$$ القصص الهادف $$$$$
خشب جرير
بقلم / أحمد عبد اللطيف النجار
أديب ومفكر مصري
( ليست مجرد قصة )
نحن لا نسعد بالمكان ولا بالمنقولات وإنما بالبشر الذين يعيشون فيه ويتعايشون معنا وبالحب الحقيقي الذي يستمتع فيه القلب والعقل والروح بكل ما حوله ، حينها تصبح المعيشة في الأكواخ البسيطة أجمل وأروع من القصور الفارهة والأثاث الفاخر ويصبح خشب جرير أجمل وأفضل من تنقيح الفرزدق !
فقد كان الشاعر العربي الكبير الفرزدق ينّقح الشعر أي يراجعه ويبدّل فيه وكان منافسه الشاعر الفحل جرير يخشّب أي يرسل الشعر هكذا على سجيته بلا مراجعة ولا تنقيح ومع ذلك فلقد كان النقاد يفضلون خشب جرير الأكثر موهبة على تنقيح الفرزدق المتكلف !
سهام سيدة في الخامسة والثلاثين من عمرها ، كان الخطاب يتهافتون عليها لجمالها اللافت للنظر منذ سنوات دراستها الجامعية ، لكن كان أبيها وأمها يصران على رفض أي عريس قبل أن تتم تعليمها الجامعي .
في عامها الدراسي الأخير تقدم لها شاب وسيم مركزه الاجتماعي مرموق ومن أسرة طيبة ، لكن طلبه قوبل بالرفض من أهلها في البداية لأنه في بداية الطريق ولا يملك شقة ،لكنها استطاعت إقناعهما بعد محاولات شاقة فقبلاه على مضض .
تخرجت سهام من كليتها بتقدير عالِ وعملت بإحدى الشركات الخاصة براتب كبير وتم إعلان خطبتها وكانت في منتهى السعادة ، لكن المشاكل بدأت على الفور بين خطيبها وبين أبيها وأمها وتغيرت النفوس بسبب تراكم المشاكل حتى دبت الخلافات بينها وبين خطيبها وانتهت بفسخ الخطبة وأعادت إليه
شبكته وهداياه ، ولم تندم على تلك التجربة الفاشلة .
بعد ذلك تقدم لها آخرين لكنها رفضت المبدأ من أساسه ومضى على ذلك سنوات حتى بلغت الفتاة السادسة والعشرين من عمرها وقلق أبويها عليها كثيراً وكأنها قد بلغت الأربعين خريفاًَ وأصبح لا هم لهم إلا زواجها وبأسرع وقت .
في تلك الفترة كانت سهام تعمل في الشركة من التاسعة صباحاً وحتى الخامسة مساءاً وتتخلل ساعات العمل راحة بين الواحدة والثانية ظهراً يقضونها في الغداء والحديث مع الزملاء والزميلات ، كان من بينهم زميلها سعد الذي ارتاحت إليه وارتاح إليها وروى كل منهم ظروفه للآخر ، ثم فاتحها برغبته في الزواج منها ، ووجدت سهام نفسها في لحظة واحدة تتخلص من كل تردد وتقبله على الفور ، بل ووجدت نفسها تحبه حباً جنوني وتراه الرجل الذي تتمناه ، فهو شاب طيب وسيم ، مكافح وأخلاقه ممتازة واعتاد تحمل المسئولية منذ صغره لأن أبويه مكافحان وله إخوة في مراكز طيبة ولديه شقة بالإيجار واسعة مناسبة ،سعدت به سهام وبكل ظروفه وحملت سعادتها لوالديها وفاتحتهما في أمره ، ففوجئت بهما يرفضان لأنه غير ميسور مالياً ولا يملك شقة تمليك وليس عنده سيارة ولأن شقته بعيدة عن مسكنهم وغير ذلك من المبررات غير المنطقية ، سمعت سهام تلك الأسباب ذاهلة ومتعجبة من أنهما لا يفهمان أن أقصى ما تريده أي فتاة هو أن تعيش مع رجلها الذي اختاره قلبها والذي يغمرها بحبه وحنانه وحمايته في أي مكان سواء كان شقة تمليك أو إيجار ، المهم هو أن يعيشا معاً ويكبرا معاً ويحافظا على ما بنياه معاً لأن ما يأتي سهلاً يضيع أيضاً سهلاً !!
حاولت الفتاة إقناع والديها دون جدوى وخلال المشاورات تقدم لها شاب يعمل في قطر وعنده كل المؤهلات التي يراها أبواها رائعة من شقة تمليك إلى سيارة حديثة إلى أملاك خاصة ، بالإضافة لراتبه المغري ، ذلك هو حسن الذي عرضاه على سهام ورفضته بغير تردد وأعلنت تمسكها بزميلها سعد الذي تحبه ، لكنهما لم ييأسا منها ودخلا عليها من المدخل الديني لعلمهما بتدينها وخوفها من الله ، راحا يلحان عليها لقبول حسن إرضاءً لهما لأن رضا الأبوين من رضا الله ، أما الحب فسوف يأتي على مهل بعد الزواج ، وازداد تركيزهما على الناحية الدينية وعاشت أيام طويلة في منتهى الحيرة والقلق حتى أنها عرضت على زميلها سعد أن يتزوجا سراً . لكنه رفض بكل شهامة ورجولة قائلاً أن
رجولته وإسلامه يمنعانه من الزواج منها دون موافقة أهلها علناً أمام الله والناس ، ساعتها كبر سعد كثيراً في نظر سهام وإن كانت تتمني من أعماقها لو كان قد وافق حتى يرحمها من حيرتها وعذابها !
مرت الأيام وازدادت ضغوط الأسرة عليها حتى بدأت تستسلم وودعت حبيبها سعد في نفس المكان الذي كانوا يلتقون فيه ، ودعته بدموعها وودعها هو بكلمات دامعة . قال لها أنه يتنازل عنها مرغماً وعلى غير إرادته وأن لن يتزوج بعدها مهما طال به العمر ، افترق الحبيبين وعادت سهام لبيتها حزينة ومشاعرها تجاه أبويها متضاربة وعادت لعملها بعد فترة ففوجئت بأن زميلها سعد قد استقال منه كي يتفرغ لمشروعه التجاري ، وأنه ودع زملاؤه وتمنى لهم جميعاً حياة سعيدة .
ازدادت سهام اكتئاباً وفجأة ظهر في حياتها العريس الجديد اللقطة على حد قول أبويها وتمت خطبتها إلى حسن الذي وجدته شاباً مهذباً كريماً للغاية يحبها وتحبها أسرته ، وبعد ثمانية شهور تم عقد القران وبالغ حسن في كرمه فكتب لها في عقد الزواج مبلغ خمسة وعشرين ألف جنيه كمؤخر صداق وتم الزفاف في أكبر فنادق العاصمة
انتهي حفل الزفاف وبدأ العروسين شهر العسل واختارت سهام أن تكمل إيمانها بارتداء الحجاب ، وبعد أيام سافرت مع زوجها إلى قطر وهناك استصدر لها حسن رخصة قيادة كي تقود سيارته الفاخرة في أي وقت وأغدق عليها بالهدايا ، فمضت أيامهما هانئة سعيدة ، ثم فجأة وبدون مقدمات وبعد أربعة شهور فقط انقلب حسن إلى شخص آخر لا علاقة له بالخطيب الذي جاء يطرق بابها ويبالغ في رعايتها وحبها كأنما قد استبدله الله بشخص آخر يحمل نفس الاسم والملامح !
بدأ حسن انقلابه بأن سحب من زوجته رخصة القيادة ثم حرمها من الخروج معه وبدأ يسب ويلعن والدها وأمها وكل أهلها لأي سبب تافه ، حتى جاء يوم عاد ت فيه سهام من عملها فجهزت الطعام لزوجها وتركته على السفرة ثم غلبها النوم ، فإذا بها تستيقظ على وقع ضربات مؤلمة تنهال عليها ، فانتبهت مفزوعة ، فإذا بزوجها المحترم يضربها بحذاء العمل ذو الكعب العالي الثقيل، كل ذلك لأنها نائمة والأكل بارد !
ساعتها لم تزد سهام عن أن رددت بلا وعي وانفعال شديد حسبي الله ونعم الوكيل ، وتكررت اعتداءات حسن عليها بالضرب وكانت تدافع عن نفسها بكل
قوة لكنه كان يغلبها في النهاية فلا تملك إلا أن تذكره بما أمره الله به من حسن معاملة الزوجة فلا يرتدع وانقلبت حياتها معه إلي جحيم في الغربة !
كانت سهام تكتب لأسرتها بما يجري فيشكون لأهله فلا يصدقون أي شيء على ابنهم ، وعادت سهام إلى مصر ضائعة مكتئبة محطمة بعد أن كانت عروساً شابة جميلة ، ورغم كل شيء صبرت على زوجها لعل وعسي تتغير طباعه ويهدأ ، وبالفعل تحسنت معاملته لها قليلاً ، ثم تكرر نفس سلوكه الشاذ معها وغادرت سهام شقة الزوجية إلي بيت أهل زوجها القريب منهم وأشهدتهم على ما يفعله بها ابنهم ، ثم ذهبت إلى بيت أسرتها تحتمي بهم طالبة حل لعذابها المستمر مع زوجها ، ولم تمض فترة قصيرة حتى جاء حسن ودخل الشقة ولم يسلم على أحد وجذب سهام من شعرها يريد أن يعيدها معه هكذا أما أسرتها وكأنها امرأة من العصر الحجري وليست فتاة متعلمة بنت ناس !
ساعتها لم يتمالك أخو سهام نفسه وهجم على حسن يلكمه ويخلص شعر أخته من يده ، فانفجر حسن بالتهديد والوعيد وطرده حماه من البيت وانتهت المأساة بإصرار سهام على طلب الطلاق منه ، فطالبها زوجها الغادر برد الشبكة والذهب والتنازل عن مؤخر الصداق ونفقة المتعة وكل شيء ، ففاجأته سهام بقبول كل شروطه وتنازلت له عن كل شيء تركت له الشقة الفاخرة بما فيها من ذهب ومجوهرات ماسية وتحف وتم الطلاق
كان يوم تسلمها ورقة طلاقها يوماً مشهوداً ومن أسعد أيام حياتها ، وفوجئت سهام ببشرتها المصفرة الذابلة تنتعش وتسترد نضارتها القديمة في نفس اليوم وكأنما مستها عصا سحرية !
عادت سهام إلى عملها القديم في نفس الشركة واحتفل بها جمع الزملاء والرؤساء ، وبعد أيام من العودة لعملها قرر زملائها دعوتها للغداء في نفس الفندق الذي شهد لقاءاتها القديمة ووداعها الأخير لحبيبها سعد ، ذهبت سهام للفندق وما أن دخلته حتى استعادت كل ذكريات المكان وطلت طوال الغداء تتخيل صورة سعد ، وفجأة أثناء تناول الطعام سمعت إحدى زميلاتها تتساءل أليس هذا هو فلان ؟ فرفعت سهام رأسها فإذا بها تجد سعد واقفاً قريباً منها ، فانتفضت واقفة وهرولت إليه وأسرع هو إليها حتى تصافحوا ضاحكين واقترب معها لمائدة الطعام وهو يقول : مبروك الزواج يا مدام سهام !
فقالت له دون وعي : بارك لي على الطلاق !
مرت الأيام سريعاً وإذا بها تكتشف أن سعد لم يتزوج بالفعل كما وعدها ساعة
الوداع منذ ثلاث سنوات ، وكانت تظن وقتها أن وعده نوع من المجاملة والرومانسية الرقيقة منه ، وإذا به مازال يحبها ولم يزل يريدها ، وتقدم سعد لخطبة سهام فلم يستطع أبويها الاعتراض هذه المرة ، لقد تمسكت الابنة المظلومة ضحية الطمع بحبيبها سعد وأصرت على الزواج منه في شقته البعيدة التي لم تعجب أهلها في السابق ، تزوج الحبيبين بحمد الله ولأول مرة تعرف سهام فرحة الزفاف الحقيقية ودموع الفرح الصادقة .
انتقل الزوجين إلى عشهما البعيد وعرفت سهام معنى الحياة الزوجية الصحيحة كما أرادها الله سبحانه وتعالى سكناً ومودة ورحمة ، وفي كل مرة كان يزورها أهلها يجدونها سعيدة تزقزق كالعصافير ويجدون بيتها الراحة والإنسان الطيب الكريم الذي يحبهم ويحسن استقبالهم ، ولم يمض على زواجها فترة قصيرة حتى حملت وكان فضل الله عليها عظيماً ولطفه أعظم ، فقد أكرمها بألا تحمل من زوجها الأول حتى لا يزيد عذابها ، ورزقهم المولى طفلهم الحبيب محمد وبعد عامين أنجبت طفلتها الرائعة كوثر .
وترجو سهام كل الآباء والأمهات أن يتركوا لبناتهم وأولادهم حرية الاختيار ما داموا قد وصلوا إلى سن النضوج التي تسمح بحسن الاختيار وتقرير المصير ، وتناشدهم ألا يجبروهم على الزواج بمن لا يرضونه ولا يحبونه لكيلا يندموا كما ندمت ، وحتى لا يدفعوا الثمن الباهظ الذي دفعته من عمرهم وراحتهم النفسية ، أما نظرية أن الحب يأتي بعد الزواج والعِشرة ، فتلك نظرية فاشلة وكذب وافتراء لواقع مُر يكذب ولا يتجمل !!
تلك منحة المحنة التي تعلمنا إياها سهام ، إنها تعلمنا نظم القصيد فنؤدي للبشر بأنغام الشعر ما تلقيناه من ضربات الألم والشقاء ، ها هي تعطينا درس آخر في السعادة والرضا بالمقسوم والواقع ، ليس هروباً منه كما يفعل الضعفاء من الناس ، ها هي أنسجتها التي كانت مسدودة قد تفتحت مع من أحبت فأنجبت منه براعم وزهور بريئة واستشعرت السعادة في السكن البعيد الذي لا يُقارن بالشقة الفاخرة التي كانت تعيش فيها وكأنها في سجن كبير ، فنحن لا نسعد بالمكان وإنما بالبشر الذين يعيشون فيه ، وفي نبع الحب الصافي الذي يحيا فيه القلب حياة طيبة هادئة .
لقد ظلمت سهام نفسها كثيراً بزواجها الأول لأنها مهما بالغت في إظهار مشاعرها لزوجها فإنه سوف يستشعر بعد قليل فتورها وجفاف مشاعرها فتضطرب العلاقة الزوجية ولا تستقيم ، وهذا هو سر الانقلاب المفاجئ الذي
أدهشها في زوجها الأول حسن بعد سنة واحدة من زواجهما ، هو في الواقع لم ينقلب عليها وإنما صُدم بفتور مشاعرها ولم يتصرف كالفرسان النبلاء ويعرض عليها الانفصال في هدوء وإنما تسلطت عليه نزعنه الشيطانية فتعمد أذيتها بوحشية لا تليق به كرجل !
ليس هكذا يفعل الرجال وليست تلك هي رجولة الرجل الشرقي الأصيل ، وذلك بالتحديد هو الفارق الشاسع بين خشب جرير وتنقيح الفرزدق !
أحمد عبد اللطيف النجار
أديب ومفكر مصري
أديب ومفكر مصري
# إقرار علي مسئوليتي الشخصية والأدبية والمهنية .......
جميع الأسماء والأماكن الواردة بقصصي من بنات أفكاري ( يعني من وحي خيالي ) وإن
كانت الأحداث والوقائع حدثت بالفعل وحقيقية 100% ــ هدفي هو نشر نوع جديد و
مبتكر من الأدب الإسلامي والإنساني الواقعي يسمو بالروح إلي آفاق رحبة من الرقي والحب
والتسامح ونشر الوعي الإسلامي بين كل الفئات بأسلوب سهل بسيط لا تعقيد فيه ولا غموض
شباب هذا العصر لا يقرءون ولا يهتمون مطلقاً بالقراءة لانشغالهم بالانترنت والفيس بوك ذلك العالم السحري الذي لا حدود ولا أوطان له ‘ فصار العالم كله قرية صغيرة ،، فكان و لابد من التفكير في إبداع أدب إنساني جديد يناسب تفكير شباب وفتيات القرن الحادي والعشرين ، وقد أخذت على عاتقي التفكير بجدية في ابتكار ذلك الأدب الهادف في سطور قليلة سريعة القراءة وفي نفس الوقت سريعة التأثير في النفس ، وقد وفقني المولي عز وجل في تأليف أكثر من 1200 قصة قصيرة أو ممكن تسميتها نصوص أدبية من الأدب الواقعي الذي يعالج نقائص النفس البشرية ويداوي جراحها !! وما زال التأليف مستمراً !!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق