الخميس، 25 أغسطس 2016

العقيد "مؤمن / للكاتب / حسام أبو سعدة

العقيد "مؤمن".
للكاكب / حسام أبو سعدة
~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~
أمرنى العقيد "مؤمن" بالإنتظار بجانب السيارة بصفة مستمرة، كما أمرنى بأن أكون أنا و السيارة على أهبة الإستعداد للتحرك فى أية لحظة... بالأمس تحركت مقدمة اللواء المدرع محملة فوق عربات القطار إلى الحدود  و نحن الآن فى إنتظار تحرك قلب اللواء.
على مقربة منى طفلة بدوية لا يتعدى عمرها الخمسة أعوام، ممزقة الملابس، حافية القدمين، يغطى وجهها تراب الصحراء الأصفر الخشن، تتأمل بنظرات بريئة الدبابات و المدافع غير مدركة مدى بشاعتها. من يدرى؟ ربما تكون فى قرارة نفسها تحسدنا على إننا نلهو بمثل هذه الألعاب الضخمة المثيرة... تذكرت إبنة أخى، إنها فى مثل سنها إلا أنها تحمل هم الدراسة من الآن، كثيراً ما يضربها أخى أو يحرمها من الألوان و الرسم عندما تُقصر فى واجباتها المدرسية.
شعرت الطفلة بنظراتى لها فالتفتت إلى مبتسمة. كدت أطير إليها و أضمها إلى صدرى بيد أن قدماى تسمرتا فى الأرض حرصا على تنفيذ أوامر العقيد "مؤمن". بالنسبة لجندى مجند مثلى يكون التردد أو حتى مجرد التفكير قبل التنفيذ يُعتبر تكسيراً للأوامر العسكرية، هذا يستوجب محاكمة عسكرية قاسية قد تنتهى بالحكم بخيانة الوطن أو الجُبن على الأقل. و أنا على إستعداد لفعل أى شئ مهما كلفنى ذلك من ثمن حتى لا أبدو أمام نفسى إنسان جبان، لم و لن أسمح لأحد أن يعاير إبنة أخى بعمها الخائن.
سمعت صوت العقيد "مؤمن" يأتى من بعيد و هو ينبه الجنود قائلاً الشعار المعروف "سلاحى حياتى، لا أتركه قط حتى أذوق الموت". تخيلته و هو يقف بينهم ضخم الجثة يشمر أكمام سترته، نظراته صارمة ثاقبة إلى أعماق من يقف أمامه، الجميع يهابه و يُقدره، لكنهم لو رأواه فى الليلة السابقة لأشفقوا عليه.
بالأمس إستيقظت قلقاً بعد منتصف الليل بربع ساعة على صوت همهمات غريبة، أزحت باب الخيمة بحذر فرأيته يجلس على عتبة عربة النوم الخاصة به يمسك بصورة فى يده يتأملها بحنان دافق و يتنهد فى آسى، ثم ينظر إلى السماء بعينين قلقتين و يتمتم ببعض الدعوات طالباً الستر من الله... أشفقت عليه، لم أكن أتصور أبداً أن يكون بمثل هذه الرقة و العاطفية... لا شك أنها صورة أمه. عندما يكون الإنسان على موعد مع الموت لا بد أن يتذكر من وهبته الحياة. خرجت إليه لأطمئن عليه، سألته عن الصورة فقال لى مشفقاً: لا تشغل بالك يا بنى، إذهب الآن للنوم، أمامنا مجهود كبير فى الأيام القادمة.
عندما قال لى "يا بنى" شعرت فعلاً أنه أبى الرحيم الودود و ليس العقيد "مؤمن" الجبار... وصل القطار، تحركت بالسيارة فوق أحد العربات كما صدرت الأوامر و من هنا رأيت البدوية الصغيرة و هى تبكى و ترتجف هلعاً من زمجرة الدبابات و هى تتحرك فوق الصخور فتحيلها تراباً هشاً يتطاير فى الهواء يكاد يحجب ضوء الشمس، عندما رأيت دموعها أقسمت ألا أعود إما منتصراً أو جثة هامدة، إذا كان هذا حالها و الدبابات تتحرك إلى القطار فى هدؤ، فكيف يكون حالها عندما تزحف إلى قريتها دبابات مماثلة يقودها أعداء يقذفون النيران فى كل مكان... لا بد من النصر من أجل البدوية و من أجل إبنة أخى.
بعد أن صعدت الدبابات و أبطلت محركاتها أتى العقيد "مؤمن" ليجلس  بجوارى فى السيارة، لم أشعر به لإنشغالى بالطفلة فصرخ فى قائلاً "إنتباه". إنتفضت واقفاً مؤدياً التحية العسكرية فى ثبات، رأيت فى عينيه نفس النظرات الحازمة الثاقبة  كأنه يشعر بكل ما يدور فى صدرى. عندما بدأ القطار فى التحرك إلتفت إلى البدوية الصغيرة، أشرت إليها مودعاً فردت على الإشارة و هى تبتسم..
كانت الرحلة متناقضة كل التناقض، مر بنا القطار على قرى جبلية فقيرة مهملة لا تجد بها سوى الفقر و الجهل، أناس لا يعرفون شئ فى هذه الدنيا و لا يدركون معنى الحرب. بعد هذه القرى ببضعة كيلومترات تجد القرى السياحية الفاخرة تنتشر حولها و بداخلها أفخر أنواع السيارات بأبهى الألوان، قصور فاخرة تتزين جدرانها الخارجية بنقوش فى غاية الروعة. معظمهم يضع العلم فى الشرفة، ربما بدافع الخوف و القلق... لا شك أن هؤلاء الناس يتحدثون عن الحرب بعد الخروج من حمامات السباحة و هم يأكلون الجمبرى و السبيط أمام شاشات التليفزيون، قد تكون الحرب بالنسبة لهم شئ مثير لكنه يختلف تماماً عما نشعر به نحن الجنود...
فى الساعة الحادية عشر رأيت كل الضباط و القادة يمسكون بأيديهم أجهزة الراديو الصغيرة، يعبثون بالزر بحثاً عن محطة معينة ثم يتصنتون على السماعة فى حذر و ترقب، زعيمنا سيلقى خطاباً الآن، بحثت مثلهم فى المذياع الصغير محاولاً معرفة الأمور التى يصفونها بأنها خطيرة، كان الصوت متقطعاً مشوشاً، الراديو بسيط و عجلات القطار تئن بما تحمله من معدات ثقيلة. لكنى إلتقطت بضعة كلمات، كلمات ضخمة رنانة كالمعتاد:"سنفعل كل ما يمليه علينا ضميرنا الإنسانى، لا بد أن نساير ركب الحضارة الحديثة، لا نريد سوى السلام و العدل و الرفاهية لكل شعوب العالم".
بعد الخطاب بدأنا فى تناول الغذاء، إنقسمنا إلى مجموعات صغيرة تلتف حول نفسها فى صمت. لم أجد فى نفسى أية رغبة فى تناول الطعام، عندما يقدم الإنسان على الموت يزهد كل شئ، يفقد كل إحساس بالحياة،  لكننى بالرغم من ذلك أقبلت على الأكل بكل شراهة، إذدرته دون أن أتذوقه، يجب أن أكون فى تمام الصحة و العافية حتى أستطيع الصمود، ليس من أجلى أنا،  لكن من أجل إبنة أخى و البدوية الصغيرة...
بعد الغذاء رأيت العقيد "مؤمن" يجلس على عتبة عربة النوم وحيداً، يتأمل الصورة و فى عينيه نظرات متسائلة مفعمة بالأسى و الحيرة، من نظراته تأكدت أنها صورة إبنته، الجميع يعلم مدى هيامه بها. فى قمة ثورته و غضبه و بطشه يهدأ تماماً و يتحول إلى طفل وديع إذا أقسم عليه أحد بحياتها.. فى إحدى الأمسيات السابقة علمت منه أن إبنته فى السادسة عشر، تنظم الشعر و يحلم بها شاعرة كبيرة مرموقة. فى هذه الليلة حدثته عن إبنة أخى التى فى الخامسة من العمر، تعشق الألوان و الرسم، أنوى إلحاقها بمرسم خاص بالأطفال عندما تبلغ السابعة، أنا أيضاً أعشق الرسم لكنى فشلت فى تحقيق أحلامى و طموحاتى من خلاله، لذلك سآخذ بيدها خطوة بخطوة، عندما تصبح فى السادسة عشر سأعاونها على إقامة أول معرض خاص بها.. لكننى أدركت اليوم من خلال نظرات العقيد "مؤمن" إننا لن نعيش حتى تتحقق الأحلام. فقلت فى نفسى فى إصرار: المهم تحقيق الأحلام و إن كنت ميتاً، لا شك فى إنها ستفخر بعمها الشهيد.
وصل القطار إلى نهاية الطريق، هبطت المعدات مزمجرة تقتحم الصحراء المترامية الأطراف، مررنا بجانب مشروع ترعة لم يكتمل بسبب الظروف الراهنة، ثم دلفنا بين الجبال و الوديان إلى أن لحقنا بمقدمة اللواء تعسكر حول تبة نتستر وراءها من مواقع العدو.
ما إن هدأت المحركات حتى أمرنى العقيد "مؤمن" بالتحرك معه أعلى التبة، إندفعت السيارة فوق الرمال الناعمة فى قوة و عنف كأنها وحش ثائر يشق الخراب، عند نقطة محددة أمرنى بالتوقف، هبط من جانبى، تستر خلف صخرة و راح يتفحص مواقع العدو من خلال نظارة الميدان المكبرة، إستطلع يميناً و شمالاً بدقة متناهية، فجأة خرجت منه شهقة و سقطت النظارة... جريت نحوه لأطمئن عليه، لأول مرة فى حياتى رأيت فى عينيه دموع متحجرة ثائرة. ربت على كتفى برفق قائلاً:
- لا تقلق يا بنى.
شعرت أنى إبنه الوحيد فعلاً، أردت أن أضمه لأهون عنه، لكنى شعرت بأننى لو ضممته فى هذه الحالة سوف ينخرط فى بكاء عنيف و أنا لا أريد أن أرى دموع العقيد "مؤمن" العظيم الجبار فى مثل هذه الظروف.
فى أثناء طابور المساء رأيته جباراً عظيماً كعادته، أصدر أوامره فى حماس بالإستعداد التام و توخى الدقة فى التنفيذ... بعد الطابور تلقى إشارة مشفرة فى عربة القيادة، خرج بعدها و هو يغلق الباب فى عصبية، رأيته يختلى بنفسه خلف العربة يتفحص الصورة فى فزع محدثاً إياها، أو ربما يحدث نفسه...
سألته عن سر الصورة، فعلمت منه إنها صورة إبن أخته  التى تزوجت من رجل من بلاد القابعة خلف هذه الحدود و هى مقيمة هناك مع زوجها. المفروض أن يكون إبن أخته  الآن فى الثالثة و العشرين، أى فى سن التجنيد، عندما تفحصت الجبهة رأيت جندياً يشبهه إلى حد كبير. تنهد فى أسى و هو يقول: حقيقة لست متأكداً إن كان هو فعلاً، لكن لدى شعور أكيد إنه  هذا الطفل الذى طالما إحتضنته و لعبت معه.. فى آخر لقاء بيننا، منذ سبعة سنوات، أدى لى التحية العسكرية مازحاً مبتسماً، إبتسامته لا تفارقنى منذ علمت بالمهمة، كما أن كلمات القائد الأعلى ترن فى أذنى، قال لى أننى قائد المهام الصعبة، الشعب بأكمله رجاله و نسائه و أطفاله ينتظرون منى إما النصر و الفرحة أو الذل و المهانة.. الإنسحاب جُبن و خضوع، إن إعترضت سيعاير الناس إبنتى بأبيها الخائن... تنهد العقيد "مؤمن" و هو يسألنى.. ماذا تفعل لو كنت مكانى؟ لم أجد شيئاً أقوله، فصرخ فى قائلاً فى حنق: إنصراف لا ترينى وجهك إلا عندما أطلبك.
إنصرفت من أمامه بسرعة، تعثرت فى الرمال الناعمة و قد شعرت بنفس ما شعرت به عندما وجدت نفسى فى بحر متلاطم الأمواج و أنا لا أجيد السباحة، لولا ستر الله لأصبحت فى عداد الأموات منذ سنوات.
بعد ظهر اليوم التالى طلبنى، أمرنى بالجلوس خلف مقود عربة القيادة المصفحة و جلس هو بجانبى، رأيت حول عينيه هالات سوداء مرهقة بيد أن نظراته عادت إليها القوة و العظمة... لاحظت من خلال حركاته السريعة المتعاقبة مدى المجهود الجبار الذى يبذله محاولاً إسكات عقله و الهرب من أفكاره... أمرنى بالصعود إلى التبة و التستر خلف الصخرة. توقعت الهجوم من أعلى التبة. أمر الكتيبة الأولى بالإلتفاف حول التبة من جهة اليمين، و أمر الكتيبة الثالثة بالإلتفاف من جهة اليسار و أبقى الكتيبة الثانية فى مكانها تواجه العدو إذا ما صعد فوق التبة و تحمى خلفها كتائب المشاه و المدفعية الثقيلة. أصدر أوامره بالإشتباك فإنبعثت النيران فى كل مكان. لم يأتى المساء إلا و قد دمر موقع العدو.. إستمع إلى كل الإشارات القادمة إليه فى حرص شديد و هو يراقب الميدان بنظرات القائد المغوار و بعد أن تأكد إنه لم يبقى سلاح يُذكر مع العدو أمر عربات الكشف عن الألغام بالتقدم، رأى بعينيه إبن أخته و هو يقف ممزق الثياب يمسك بندقية خاوية، حاول الجندى المهزوم التصدى، فى حركة دفاع جنوبية وقف أمام إحدى العربات فاتحاً ذراعيه  كأنه يحتضن خاله فإذا بالسيارة و الجندى ينفجران نتيجة المفرقعات التى لفها الجندى المهزوم حول خصره.
رُفع علم بلادنا فوق الأرض، إستقر لواءنا المنتصر فبكى الجميع فرحاً. فى المساء رقص بعض الجنود و هم يحملون السلاح فى نشوة عارمة بينما إختلى العقيد "مؤمن" بنفسه فى عربة القيادة، ذهبت إليه لأطمئن عليه، خرج إلى بنظرات زائغة و هو يقول:
- مبروك النصر.
قلت مهوناً:
- أنت لم تفعل سوى ما يمليه عليك ضميرك.
رمانى بنظرته الخارقة ثم قال:
ـ إذهب للإحتفال مع أصدقائك.
ثم دخل خيمته، و تساءلت فى نفسى عن معنى كلمة (ضمير).

* من كتابى "زهرة الصحراء"، رقم الإيداع 4920 / 2002 فى هيئة الكتاب.
* موعدنا الخميس القادم، إن شاء الله.
حسام أبو سعدة.
hossamaboseda@gmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق