الخميس، 11 أغسطس 2016

الجنة ترتج /بقلم حسام ابوسعدة

الجثة  ترتج.
بقلم/حسام ابو سعدة


إندهش موظف الإستقبال عندما رأى الدكتور "فؤاد" يصعد إلى حجرته بهدؤ دون أن ينطق بأية كلمة.. لقد إعتاد أن يسأله كل يوم، عدة مرات نفس السؤال: هل سأل عنى أحد؟...  و تكون الإجابة دائماً بالنفى...
فى الصباح بعد أن يسأله السؤال المعتاد، يذهب إلى المطعم. بعد الإفطار يُخرج كتيبات و أوراق كثيرة من حقيبته، يقرأ بحرص شديد، يضع خطوطاً تحت السطور، يدون بعض الملاحظات بصبر لا ينفد، ثم يلملم أوراقه و يذهب..
لا يعود إلا قبيل غروب الشمس، يعود منهكاً، العرق يتفصد منه بغزارة، لكن بريق الأمل فى عينيه لا يخبو أبداً. خطواته هادئة واثقة كأنه يعلم طريقه جيداً. 
فى المساء يأتى إليه صديقاه. يبدو بينهما طافحاً بالصحة و العافية، بينما العجز يكاد يشل حركة صديقيه.. يحاول معهما إستعادة ذكريات المراهقة و الشباب، بيد أن صديقاه لا يملان الشكوى. أحدهما يشكو من إبنه الذى أدمن الخمور و اللهاث خلف الراقصات فى الملاهى الليلية، بينما الصديق الثانى يشكو من إبنه الذى فُصل من الجامعة بسبب إشتراكه فى أحد المظاهرات.. يحاول الدكتور "فؤاد" البحث عن حل لمشاكل أبنائهما، لكنهما يغلقان فى وجه كل الأبواب، يسخران من أرائه الساذجة، ثم ينهمكان فى هجوم عنيف حاد على هذا الجيل الناشئ الضعيف الهزيل، جيل يتلهف كل أنواع المتعة و الترف و يتهرب من كل الواجبات و المسؤوليات...
ينصرف صديقاه فى الساعات الأولى من الليل و هو يرقبهما بابتسامة الدهشة. ما كل هذا الضعف و الإستسلام؟!.. ما كل هذا اليأس و الإحباط؟!.. هل من المعقول أن يكون هناك مشكلة بلا حل؟!.. مستحيل...  
بعد توديع صديقاه يتجه إلى موظف الإستقبال و يسأل نفس السؤال. و تكون الإجابة دائماً بالنفى. و فى ذات يوم سأله الموظف بخبث: 
ـ هل تنتظر زيارة من الحب القديم؟ 
جلجلت ضحكاته و هو يربت على كتف الموظف الشاب بحنان أبوى صاف ثم قال:
- يا بنى، أم الأولاد المصرية التى تقيم معى هناك هى الحب الأول و الأخير. 
  كانت ضحكاته الصافية تبعث الشعور بالثقة و الأمل فى نفس كل من حوله، بيد أن الإبتسامة بدأت تخفت شيئاً فشيئاً إلى أن إختفت، اليوم، تماماً ليحل محلها نظرات شاردة ذاهلة.. راح يصعد إلى حجرته فى صمت مطلق.. ألقى نظرة بائسة على بعض كتبه، راجع بعض الملاحظات التى دونها من قبل.. لا بد من كتابة التقرير الآن.. لكن لا يعرف ماذا يكتب ؟...
أشعل سيجارة محاولاً تركيز أفكاره لعله يفلح فى إستنتاج شيئاً.. إلتوت أمعائه بشدة و عنف.. لقد أشعل اليوم – على عكس عادته – أكثر من خمس علب سجائر  دون أن يأكل شيئاً.. أمضى يومه فى صراع عنيف مع عقارب الساعة التى تجرى بسرعة مجنونة.. فى النهاية أصابه الدوار و عجز عن التركيز..
أدار المسجل على موسيقى هادئة و راح يدندن محاولاً الهدؤ. لا بد من تماسك الأعصاب حتى لا يفقد منصبه و مكانته الرفيعة... تذكر يوم الرحيل الأول... لقد هاجر من هنا منذ ثلاثين عاماً، هاجر مهندساً زراعياً صغيراً، غامر بحياته و هو يلقى بنفسه فى غياهب المجهول و دهاليز الغربة الباردة بحثاً عن العلم و المعرفة، طامعاً فى  التكنولوجيا الحديثة... بعد كفاح طويل و دراسات كثيرة مستفيضة إستطاع الوصول إلى درجة خبير فى وزارة الزراعة هناك. يدفعون له أموالاً طائلة طمعا فى خبراته. و لا شك، أنهم يجنون ثروات باهظة من هذه الخبرات... فى ذات يوم، أدركوا هناك أهمية محصول الخرشوف. بعد دراسات مكثفة إكتشفوا أن الخرشوف المصرى من أجود و أهم الأنواع...
فى هذه اللحظة شعر بالفخر و الإعتزاز.. إقشعر بدنه حباً و هياماً و هم يذكرون إسم بلاده.. بينما لمح فى عيون المنافسين نظرات الحقد و الحسد، و ربما إبتسامات السخرية و الإستخفاف.. بعد سلسلة إجتماعات و مناقشات قرروا إرساله إلى مصر فى مهمة رسمية لدراسة سُبل التعاون بين البلدين فى هذا المحصول الهام.. فعاد إلى الوطن   يرتجف بشدة و حنين جارف إلى الأصل.. إلى المنبت...
فى بادئ الأمر، إتجه إلى أساتذة كليات الزراعة، تحمسوا لأفكاره و أرائه، لكنهم عاجزون عن فعل أى شئ، نصحوه بالتوجه إلى وزارة الزراعة. هناك، إستقبلوه بحفاوة بالغة، وعدوه بدراسة أفكاره و مقترحاته دون أن يتسلموا منه أى بحث من أبحاثه. ظل يتردد على وزارة الزراعة لمدة أسبوعين. فى كل يوم يخبروه بأن مقترحاته ستدرس غداً. اليوم، لأنه اليوم الأخير ثار فى وجه الموظف المختص: 
- أنا لست خائناً أو أبلها، أريد مقابلة الوزير الآن.
ثار الموظف بدوره، و كان يكفى جداً أن يسمع ضباط الأمن صوت الموظف المسؤول حتى إلتفوا حول الدكتور "فؤاد"، حملواه و ألقوا به على قارعة الطريق... ترى، ماذا سيفعل معه الحاقدون و الحاسدون عندما يعلمون بفشله فى مهمته فى بلده؟...  
عاد من ذكرياته على رنين منبه التليفون.. لا يبقى على موعد الطائرة سوى خمس ساعات فقط.. إرتجف و هو يبتسم فى سخرية، رحل من هنا منذ ثلاثين عاماً مرتجفاً خائفاً، و يرحل الآن بعد أن وصل إلى درجة خبير مرتجفاً خائفاً...
فى الطريق إلى المطار مرت بجواره عربة نقل الموتى، إلتفت ليكتشف أن نوافذ العربة شفافة كأن ليس هناك أى حرمة للميت... 
الجثة ترتج داخل العربة من أثر المطبات.. و جثة الدكتور "فؤاد" ترتج من أثر المطبات...
* نُشرت "الجثة ترتج" فى جريدة "صوت الجماهير".
* موعدنا الخميس القادم، إن شاء الله.
حسام أبو سعدة
hossamaboseda@gmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق