الأحد، 24 يوليو 2016

عاشق الجيتار/ للمؤلف / حسام ابو سعدة

عاشق الجيتار.
للمؤلف / حسام ابو سعدة

 إستلقى على الصخر و إستنشق نفساً عميقاً ليملاء صدره برائحة اليود. أغمض عينيه ليستمتع بصوت البحر الذى يدغدغ حواسه. مع تردد صوت الأمواج سمع رنين أوتار الجيتار الذى يعشقه. إعتقد أن الموسيقى تنبعث من داخله، لكنه سمع صوت حركات قريبة منه فإعتدل جالساً.
 رآه يجلس على بعد خطوات يعزف على الجيتار. عندما لاحظ العازف أنه جذب إنتباهه وضع الجيتار جانباً و راح يتقدم نحوه.
 لم يعرفه من الوهلة الأولى، إنهما لم يلتقيا أبداً من قبل، لكن سرعان ما عرفه، عرفه من خلال الصورة القديمة التى مضى عليها تسعة عشر عاماً. إنه أبيه.
 قالت له أمه أن أبيه يعشق الجيتار أكثر من إبنه الوحيد و زوجته. هاجر إلى إيطاليا ليعزف الجيتار فى الملاهى الليلية دون أن يلوى على شئ.
 جلس الأب بجوار إبنه و وضع فى يده ورقة صغيرة نظيفة مطوية بعناية، سأله عما بهذه الورقة، فإبتسم و قال له:
 ـ مدون بها أرقام الودائع التى وضعتها فى البنك بإسمك.
 إندهش، ملامح وجهه التى مازالت كما هى منذ تسعة عشر عاماً تدل على أنه إنسان أنانى شهوانى، يعيش لنفسه فقط، السنون لا تترك أثرها إلا على الناس الذين يحملون هم من حولهم. سأله:
 ـ متى عدت؟
 ـ اليوم. عدت لأقدم لك هذه الودائع بعد أن أتممت الواحد و العشرين عاماً بالأمس. لقد بلغت سن الرشد.
 قال الإبن ساخراً معاتباً:
 ـ من الغريب أنك تذكر تاريخ ميلادى.
 أدرك الأب ما يقصده إبنه، فقال بهدؤ:
 ـ لا تصدق حديث والدتك. إنها لا تفهمنى و لم تحاول الإقتراب منى. هى تبحث عن المال و أنا أعشق الجيتار.
 ثم ربت عليه برفق و أكمل:
 ـ المهم أنك تستطيع الآن أن تبدأ مشروعك الذى تحلم به.
 لمسة يده جعلته يتمنى أن يظل بجواره و يرتمى فى أحضانه، سأله:
 ـ متى ستعود؟
 ـ اليوم.
 صدمته الإجابة و شعر بالنفور منه. هب الأب واقفاً و راح يسير مبتعداً إلى أن إختفى.
 ذهب إلى البنك لإستلام الودائع. إكتشف أنه كان يضع له وديعة صغيرة كل ثلاثة شهور. المبالغ الصغيرة تدل على أنه لم يربح كثيراً من العزف على الجيتار. لكن مجموع الودائع بالإضافة إلى الأرباح، بعد تحويلها إلى العملة المحلية، تصل إلى 2 مليون جنيه. المبلغ كاف ليبدأ مشروعه. لاحظ أن الوديعة الأخيرة كانت منذ ثمانية أعوام. ترى، ما الذى حدث فى هذه الأعوام؟ هل تزوج إمرأة أخرى و أنجب إبناً آخر؟ ربما!
 على كل حال، يشعر بحنين جارف نحو هذا الرجل. إتجه إلى القنصلية الإيطالية بحثاً عن عنوانه. لكن الموظف المختص لم يجد إسمه. بعد أن تردد على القنصلية عدة مرات، بعد عدة إتصالات، إكتشف أن والده إلتقى ربه منذ ثمانية أعوام.
* نُشرت "عاشق الجيتار" فى جريدة "عاجل" بتاريخ 27 أغسطس 2013 العدد 27.
* موعدنا الخميس القادم، إن شاء الله.

حسام أبو سعدة.
hossamaboseda@gmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق