زهرة الصحــــــراء ...
للكاتب / حسام أبو سعدة
ـــ 1 ـــ
جلس "محمد السيوفى" وحده فى أحد الكازينوهات المطلة على النهر مباشرة، يرتشف كأسه فى نشوة و هو يتأمل انعكاسات الأضواء على صفحة المياه المنسابة فى رقة، مستمتعاً بنسمات الليل التى يعشقها حتى أصبح على يقين من أنه يستنشق روحه ذاتها أثناء هدوء الليل.
غاضت ابتسامته بعد انصراف الأصدقاء الواحد تلو الآخر. عاد كل منهم إلى زوجته و أولاده لينام فى هدوء و سلام و بقى وحده. قال أحدهم و هو ينصرف: صحتى لم تعد تتحمل السهر، هذا الندى قد يهدنى فى الفراش لمدة أسبوع. كانت أعمارهم تتراوح ما بين الخمسين و الستين، إلا أن "محمد السيوفى" لا يشعر أبداً بالشيخوخة أو العجز، بل يشعر فى داخله أنه مازال هذا المراهق الذى لم يتم العشرين بعد، كل شىء ممكن. مازال يبحث عن الأمل، مازال قلبه ينبض بشدة و عنف متعطشاً إلى محبوبة يدفن رأسه فى صدرها فينعم بالهدؤ و الراحة، يرى الدنيا من خلال بريق عينيها و تشعر هى بالحياة من خلال ألحانه و إحساسه الدافق بالكون الفسيح...
طالعه وجه "نسرين" من خلال صفحة النهر مبتسماً فى رقة و عذوبة عندما كان يقول لها: "أنت الشىء الوحيد الطاهر فى حياتى". تغض من بصرها و يعلو وجهها البرىء حمرة الخجل. كانت تلميذته فى معهد الموسيقى، أعجبه صوتها و هى تشدو بالأغانى الشرقية الصعبة، افتتن بصدق إحساسها و تعبيرات وجهها و هى تغنى فى انسجام تام مع اللحن، بل انسجام تام مع الكون بأكمله، هى أيضاً مثله ترى أن الله لم يخلق هذا الكون إلا من أجل الموسيقى و الشعر و ماعدا ذلك عبث مصيره الفناء. توقع لها مستقبلاً باهراً، بدأ يخصها بتدريبات صوتية غاية من الصعوبة، يلتقى بها يومياً إما فى المعهد أو الأوبرا، ثم يخرج لتوصيلها إلى المنزل. فى ذات يوم و هى بجواره فى السيارة أدار المسجل على موسيقى شرقية هادئة، كان أنين الناى هو العازف الأول فى هذا اللحن فإذا بها تبكى. سألها مشفقاً على هذه المراهقة الصغيرة من الشعور بالشجن الذى يعرف جيداً مدى قسوته. فقالت فى تهدج و هى تمسح دموعها:
ـــ لا أستطيع التحكم فى أعصابى عند سماع أنين الناى.
أوقف المسجل و أوقف السيارة ثم قال محاولاً سبر أغوار هذا المخلوق الرقيق:
ـــ لابد أن هناك سبباً.. العقل يقول ذلك..
لم ترد، بدى على وجهها الشعور باليأس و الحزن فقال لحثها على الحديث:
ـــ الفنان يجب أن يدرك جيداً ما وراء هذه المشاعر الجياشة.
بكت و هى تقول:
ـــ لدى إحساس أكيد بأننى لن أنجح فى الغناء.
سأل فى ذهول:
ـــ لماذا؟
ـــ الطلاب فى المعهد يقولون أن المغنية لابد أن تكون جميلة، و لهذا بدأت زميلتنا "حسناء" فى تصوير أول أغنية لها بينما لا ينتبه إلىَّ أحد.
ـــ انا أرعى موهبتك.
ثم أكمل عابثاً محاولاً تفريج كربها:
ـــ ألست "محمد السيوفى" الذى يقدم حفلاته فى الأوبرا ملحناً مشهوراً؟ ألم تسمعى عن نجاح حفلاتى فى الخارج.
توقفت عن البكاء معتذرة فى أدب. أسند ظهره إلى باب السيارة يتأملها، اكتشف أن زملاءها على حق، ليست جميلة هذا الجمال الباهر، شفتان رقيقتان، عينان ضيقتان، شديدة النحافة حتى إنه لا يبدو فى جسدها أى بروزات أنثوية. لكن لديها إحساس صادق بكل كلمة، كل همسة، كل نغمة. قال مشجعاً:
ـــ أنا واثق من نجاحك. الفن الأصيل ليس فى الجمال الصارخ أو الرقص الخليع. الفن إحساس.
قالت فى يأس:
ـــ لكن هذه الأشياء هى بوابة النجاح الآن.
ـــ صوتك سيمس قلوب الناس رغم أنفسهم. ثم إنك لا تقلين جمالاً عن "حسناء"، أنا و كثيرون مثلى يرون أنك فائقة الحسن.
منذ هذا اليوم أصبح يناديها بـ "تلميذتى الجميلة"، و فى بعض الأحيان يعقب كلمات التشجيع بكلمات الغزل الرقيق فى جمالها و فتنتها، فاقتربت منه أكثر، و عندما شعر بها تفتح له زهور قلبها المراهق الصغير قال لها مبتسماً فى عتاب:
ـــ أنا فى الخمسين و أنت فى السابعة عشر. لو كنت قد تزوجت لكان لدى الآن ابنة فى مثل سنك.
ضحكت فى دلال و هى تسأله:
ـــ لماذا لم تتزوج؟
أجاب فى هدوء:
ـــ لا داعى أن أشغل بال ابنتى بمثل هذه الأمور.
ثم دفعها من ظهرها برفق إلى جوار البيانو وهو يقول:
ــــ لا تشغلى بالك بأى شىء أخر، الفن يحتاج إلى رهبنة من نوع خاص.
عاد "محمد السيوفى" من ذكرياته على صوت احتكاكات حادة بجواره. التفت فإذا به رجل ضخم شديد الأناقة يجالس حول المنضدة المجاورة إحدى فتيات الليل، يقهقهان فى بذاءة كأن المكان بأكمله ملكاً خاصاً بهما. نظر إليهما فى قرف، ترك الحساب على المنضدة و انصرف.
وقف بجوار سيارته الضخمة ذات الدفع الرباعى لا يعرف أين يذهب. لا يريد العودة إلى منزله ليبات وحده، الكوابيس تطارده هذه الأيام فيهب من نومه مفزوعاً على مشهد قبر أو نعش يتحرك قادماً إليه. أحياناً يرى نفسه ميتاً مكفناً يهبطون به إلى ظلام دامس فى جوف الأرض، الوحدة وحش كاسر ينشب أظافره فى صدره فيسيل الدم مختلطاً برائحة الخمور و السجاير و البن. راح يتجول فى أرجاء المدينة الساهرة طول الليل. أدار المسجل فانسابت الموسيقى دون أن يشعر بأى بشىء. أغلق النوافذ، أخرج زجاجة الخمر من تحت مقعده و راح يشرب محاولاً الاستمتاع بالموسيقى، الطنين الذى يعرفه جيداً بدأ يغزوه. السيارات و المارة يتحركون حوله دون أن يسمع لهم صوت كأنه من عالم آخر غير عالم هؤلاء البشر. مر بجوار أحد الإعلانات الكبيرة عن الحفل الذى سيقيمه الأسبوع القادم فى الأوبرا. مد ذراعه بالزجاجة إلى صورته قائلاً فى سخرية:
ـــ فى صحتك يا من تدعى الفن و الإنسانية...
وجد نفسه يقف بجوار المقابر. أوقف المسجل و راح يراقب شواهد القبور الحجرية الغارقة فى صمت كثيف بينما تمر السيارات مسرعة لا تلوى على شىء. تعجب كيف نثق جميعاً أن نهايتنا ستكون فى هذه المقابر الموحشة لمواجهة الذات الإلهية و مع ذلك نستمتع بحياتنا كأننا سنخلد إلى الأبد؟!..
ظهر له طيفها من بين شواهد القبور. بعد أن دربها و أعدها إعداداً جيداً لمدة عامين متصلين بدأ يختار لها كلمات الأغنية الأولى، ثم انهمك فى إعداد لحن يبرز محاسن صوتها محاولاً استخراج هذه المشاعر الرقيقة العميقة من صدرها لتطرب الآذان و تشجى النفوس. قبل الحفل بشهر واحد أُصيبت بنوبة برد مصحوبة بارتفاع فى الحرارة. قبعت فى المنزل لمدة يومين اثنين تتناول أقراص المُسكن و تشرب عصير الليمون. كان يطمئن عليها من خلال التلفزيون صباحاً و مساءً. فى آخر اتصال ردت عليه والدتها و هى تنتحب قائلة:
ـــ "نسرين" ماتت... ماتت.
علم بعد ذلك أنها ماتت مصابة بالحمى الشوكية التى لم يتوقعها أحد. كلمات الأم الملتاعة ترن فى أذنيه كأن العالم بأسره يردد: ماتت... ماتت...
لماذا خُلقت؟... هل خُلقت لتموت و هى فى التاسعة عشر؟ لماذا وهبها الله الصوت الرائع و الإحساس الدافق و لم يمهلها حتى تؤدى رسالتها النبيلة الشريفة؟... لم تكن تبغى الشهرة الزائفة لتنعم بشهوات الحياة الزائلة... يريد البكاء... يجب البكاء... لكن الدموع تحجرت فى عينيه كأنها تعانده. حتى دموعه هو تأبى عليه الراحة و السكينة.. رُفع أذان الفجر. "الله أكبر" حاصرته من كل صوب، زلزلت كيانه فانفجر فى البكاء. عاد مسرعاً إلى السيارة خشية أن يراه أحد.. إنه لا يكره شيئاً فى هذه الحياة أكثر من الاستسلام و الخضوع. يكره الضعف بكل صوره، يجاهد جهاداً عنيفاً حتى يبدو قوياً أمام الناس.
أدار السيارة، تمهل قليلاً أمام أحد المساجد و راح يتأمل المصلين و هم يخلعون أحذيتهم على الباب فى هدوء، يفرون من ظلام الشوارع إلى نور المسجد. تمنى أن ينزل إليهم و يصلى معهم، يستأنس بهم من وحشته. لكن كيف يصلى و رائحة الخمور تفوح منه؟ لو اشتمها أحدهم سينهالون عليه ضرباً. ابتسم فى سخرية عندما اكتشف أنه بعد أن حقق كل طموحاته و أحلامه فى عالم الفن و الشهرة أصبح يحسد هؤلاء البسطاء على هدوئهم و سكينتهم.
تناول زجاجته و عب منها فى نهم حتى ساحت على ثيابه. تذكر نصيحة الطبيب له منذ يومين بأنه يحتاج إلى تغيير شامل فى حياته لتخطى حالة الاكتئاب. برقت عيناه و هو يقول فى نفسه: و لما لا؟... دخل محطة البنزين ليملأ الخزان عن آخره، ملأ الخزان الإضافى، اشترى أربع زجاجات وسكى و قاروستين من السجائر و بعض المعلبات، ثم ضغط على دواسة البنزين متجهاً إلى واحة "سيوة" فى قلب الصحراء.
* "زهرة الصحراء" مسجلة فى هيئة الكتاب تحت رقم 4920 / 2002.
* موعدنا الخميس القادم، إن شاء الله.
حسام أبو سعدة.
hossamaboseda@gmail.com

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق